محمد أبو زهرة
1385
زهرة التفاسير
واجتنبوا نواهيه ، ولم يجعلوا من أولئك الأعداء بطانة لهم ، حتى لا يمكنوهم من دخائل أمورهم ، فيكون سر المسلمين مكشوفا ، وأمر هؤلاء مستورا . إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها هذه صورة واضحة لأنهم لا يحبون المؤمنين ، ويغيظهم صلاح حال المؤمنين ، وإمداد اللّه تعالى بالنصر لهم ، والمعنى إن أنزل اللّه لكم نعما ونصرا وأمرا حسنا نافعا في ذاته ويحسن في نظركم وينفعكم ساءهم ذلك ، وأثار غيظهم وحسدهم ، وإن نزلت بكم شديدة وأمر يسوء يفرحوا ، وتستطار ألبابهم سرورا وحبورا ، وقد عبر سبحانه وتعالى في جانب الحسنة بقوله : إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ وفي جانب السيئة بقوله : وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها للإشارة إلى تمكن الحقد والحسد في قلوبهم بحيث إن أي حسنة ولو مست ولم تغمر وتعم - تسؤهم ؛ لأنهم يستكثرون كل خير للمؤمن مهما ضؤل كالشأن في كل الذين يحسدون الناس على ما آتاهم اللّه من فضله ، ولا يفرحون بالمصيبة التي تمس ، فإنها لا تشفى غيظهم بل لا يفرحون إلا بالمصيبة التي تغمر وتعم وتستمر . وإن هذا كله يدل على أنهم يكيدون للمؤمنين ويبالغون في الكيد لهم ، وإن دفع هذا الكيد يستدعى الصبر والتقوى ، ولذا قال سبحانه : وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً . أي وإن تصبروا ، فتضبطوا أنفسكم ولا تنساقوا في محبة من لا يستحق المحبة ، وتتحملوا مشاق التكليفات ، وتقاوموا العداوة بمثلها ، وتردوا اعتداءهم بمثله ، وتتقوا اللّه تعالى ، وتتقوا أذاهم ، فلا تتخذوا منهم بطانة - إن فعلتم ذلك لا يضركم كيدهم وتدبيرهم السيئ شيئا من الضرر مطلقا ، وإن لم تفعلوا ذلك فلم تأخذوا حذركم منهم ، وسهلتم دخول الغفلة عليكم ، ولم تضبطوا أنفسكم عن محبتهم ، فإنهم يستمكنون منكم بكيدهم ، ولا منجاة لكم من شرهم . وقد قرئ قوله تعالى : لا يَضُرُّكُمْ بالضم على أن ذلك من قبيل التخلص من التقاء الساكنين بالضم ، فإن الفعل مجزوم ، فيفك الإدغام ، ويتخلص